نصيب السهم في الأرباح (Earnings Per Share)
مقدمة: ما هو نصيب السهم في الأرباح؟
يعتبر عالم المال والأعمال بحراً واسعاً من المؤشرات والأرقام التي تعكس مدى نجاح الشركات وقوتها المالي.
ومن بين جميع هذه المؤشرات، يبرز نصيب السهم في الأرباح (Earnings Per Share - EPS) كواحد من أهم وأبرز المقاييس التي يعتمد عليها المستثمرون والمحللون الماليون لتقييم أداء الشركات.
قد يظن البعض من الوهلة الأولى أن عبارة نصيب السهم في الأرباح تعني ببساطة القيمة النقدية التي سيحصل عليها المساهم في جيبه كتوزيعات نقدية بنهاية العام، ولكن الحقيقة أعمق من ذلك.
هذا المؤشر في جوهره هو أداة حيوية لقياس أداء الشركة ككل.
إنه المقياس الذي يتيح لك مقارنة أداء شركات مختلفة تعمل في نفس القطاع أو المجال، ومقارنة أداء الشركة نفسها من سنة إلى أخرى لمعرفة ما إذا كانت في حالة نمو أو تراجع، وذلك بافتراض ثبات السياسات المحاسبية.
التطور التاريخي لمعايير المحاسبة الخاصة بنصيب السهم
لفهم أهمية هذا المؤشر، يجب أن ننظر إلى كيف تعاملت معه معايير المحاسبة على مر السنين.
في الماضي، وتحديداً وفقاً للمعايير القديمة (مثل معايير عام 2015 وما قبلها)، كان الإفصاح عن نصيب السهم في الأرباح ملزماً فقط لشركات معينة .
كانت الشركات المدرجة في البورصة أو الخاضعة لهيئة سوق المال هي فقط الملزمة بعرض هذا المؤشر في قوائمها المالية.
أما بالنسبة للشركات غير المدرجة، فكان الأمر اختيارياً.
ولكن مع التعديلات الجديدة التي طرأت في عام 2019 وما بعدها، أصبح هناك توجه أكبر نحو الشفافية.
المعايير المحاسبية المعدلة باتت تلزم جميع شركات الأموال (مثل الشركات المساهمة) بعرض والإفصاح عن نصيب السهم العادي في الأرباح في قوائمها المالية أما شركات الأشخاص، فليست ملزمة بهذا المعيار نظراً لاختلاف طبيعة تكوينها المالي.
هذا التطور يعكس مدى الأهمية البالغة التي يوليها المشرعون الماليون لهذا المؤشر في حماية المستثمرين وتوفير المعلومات الدقيقة لهم.
أنواع نصيب السهم: الأساسي والمخفض
عند دراسة معيار نصيب السهم في الأرباح، نجد أنه ينقسم إلى شقين رئيسيين:
نصيب السهم الأساسي (Basic EPS) : وهو المقياس المباشر الذي يعتمد على الأرباح الفعلية والأسهم القائمة فعلياً، وهو ما يركز عليه هذا المقال.
نصيب السهم المخفض (Diluted EPS): وهو يأخذ في الاعتبار الأدوات المالية التي قد تتحول إلى أسهم عادية في المستقبل (مثل السندات القابلة للتحويل أو خيارات الأسهم للموظفين)، مما قد يؤدي إلى زيادة عدد الأسهم وبالتالي تخفيض نصيب السهم الواحد من الأرباح.
المعادلة الأساسية لحساب نصيب السهم الأساسي
للوصول إلى رقم دقيق يعبر عن نصيب السهم في الأرباح، نستخدم معادلة رياضية واضحة ومحددة المعالم.
هذه المعادلة تتكون من بسط ومقام:
نصيب السهم في الأرباح = (صافي الأرباح أو الخسائر من العمليات المستمرة المتاحة لحملة الأسهم العادية) ÷ (المتوسط المرجح لعدد الأسهم العادية القائمة خلال الفترة)
لتبسيط هذه المعادلة، دعونا نقم بتفكيكها إلى جزئيها الأساسيين: البسط والمقام، ونفهم التحديات المحاسبية المرتبطة بكل منهما.
أولاً: تحليل البسط (الأرباح المتاحة لحملة الأسهم العادية)
البسط في هذه المعادلة يمثل القيمة المالية للأرباح، ولكن ليس أي أرباح، بل يجب إجراء تسويات وتعديلات دقيقة للوصول إلى الرقم الصحيح:
العمليات المستمرة مقابل العمليات غير المستمرة:
يركز المعيار المحاسبي على ضرورة قياس الأداء بناءً على العمليات المستمرة للشركة.
العمليات المستمرة هي الأنشطة الأساسية للشركة التي يتوقع استمرارها في المستقبل.
أما العمليات غير المستمرة (مثل بيع قطاع معين من الشركة أو إيقاف نشاط معين بشكل نهائي)، فيجب فصل نتائجها (سواء أرباح أو خسائر) عن العمليات المستمرة، لأنها أحداث استثنائية لن تتكرر، ودمجها قد يعطي صورة مضللة للمستثمر عن الأداء التشغيلي المستقبلي للشركة.
توزيعات الأسهم الممتازة:
الشركات قد تصدر نوعين من الأسهم: الأسهم العادية والأسهم الممتازة.
حملة الأسهم الممتازة لديهم أولوية في الحصول على توزيعات الأرباح المحددة مسبقاً قبل حملة الأسهم العادية.
لذلك، عند حساب نصيب السهم العادي في الأرباح، يجب أولاً خصم توزيعات أرباح الأسهم الممتازة (خاصة إذا كانت مجمعة للأرباح) من صافي ربح الشركة.
ما يتبقى بعد هذا الخصم هو العائد الحقيقي المتاح لأصحاب الأسهم العادية.
ثانياً: تحليل المقام (المتوسط المرجح لعدد الأسهم)
المقام يمثل عدد الأسهم التي سيتم توزيع الأرباح عليها.
وهنا تكمن إحدى أكبر المشكلات المحاسبية: عدد الأسهم نادراً ما يكون ثابتاً طوال العام .
الشركات تتخذ قرارات مالية خلال السنة تؤثر على عدد الأسهم، مثل:
- إصدار أسهم جديدة نقداً لزيادة رأس المال.
- توزيع أسهم مجانية على المساهمين.
- شراء الشركة لأسهمها من السوق (أسهم الخزينة).
بسبب هذه التغيرات، لا يمكننا ببساطة قسمة الأرباح على عدد الأسهم الموجود في نهاية العام في 31 ديسمبر.
لو فعلنا ذلك، سنظلم الأسهم التي كانت موجودة منذ بداية العام وساهمت في تحقيق أرباح سنة كاملة، ونساويها بأسهم تم إصدارها ربما في شهر نوفمبر ولم تساهم في تحقيق الأرباح سوى لشهرين فقط.
الحل هو حساب المتوسط المرجح لعدد الأسهم (Weighted Average):
الفكرة تعتمد على ضرب عدد الأسهم في عامل الوقت (النسبة الزمنية من السنة التي كانت فيها هذه الأسهم قائمة) .
- إذا بدأت الشركة بـ 100,000 سهم في 1 يناير، وظلت قائمة طوال العام (12 شهراً)، فإن تأثيرها الكامل هو 100,000 سهم.
- إذا أصدرت الشركة 20,000 سهم إضافي في 1 يوليو، فإن هذه الأسهم الجديدة عملت في الشركة لمدة 6 أشهر فقط (نصف سنة). تأثيرها المرجح سيكون (20,000 سهم × 6/12) = 10,000 سهم.
وبالتالي، المتوسط المرجح لإجمالي الأسهم الذي سيقسم عليه الربح هو 110,000 سهم.
هذه الطريقة تضمن العدالة وتوازن العلاقة بين رأس المال العامل الحقيقي وبين الأرباح المحققة بفضله.
الأسهم المجانية (Bonus Shares) وحالة خاصة في حساب المتوسط المرجح
من أهم النقاط التي يجب الانتباه لها هي كيفية التعامل مع توزيع الأسهم المجانية.
عندما تقوم الشركة بتوزيع أسهم مجانية للمساهمين، فإنها لا تدخل سيولة جديدة للشركة، بل تقوم فقط بتحويل جزء من أرباحها المحتجزة أو احتياطاتها إلى رأس مال.
لذلك، يرى المعيار المحاسبي أن الأسهم المجانية لم تضف قدرة إنتاجية جديدة للشركة خلال العام، وبالتالي يجب التعامل معها وكأنها كانت موجودة منذ بداية العام، وكذلك يجب تعديل فترات المقارنة للسنوات السابقة.
يتم ضرب الرصيد القائم للأسهم في معامل الأسهم المجانية بأثر رجعي ليعكس هذا التقسيم الجديد للملكية دون تأثير نقدي جديد.
حالة عملية متكاملة: كيف يتم الحساب على أرض الواقع؟
لنفترض أن شركة بدأت العام المالي في 1 يناير 2020 بعدد 100,000 سهم عادي.
وفي 1 أبريل 2020، قامت الشركة بإصدار 40,000 سهم جديد نقداً.
كيف نحسب المتوسط المرجح لعدد الأسهم في هذه الحالة؟
يوجد طريقتان صحيحتان للوصول لنفس النتيجة:
الطريقة الأولى: طريقة الفترات المغلقة (رصيد الفترات):
- من 1 يناير إلى 31 مارس (3 أشهر): كان عدد الأسهم 100,000 سهم. نضرب (100,000 × 3/12) = 25,000 سهم.
- من 1 أبريل إلى 31 ديسمبر (9 أشهر): أصبح إجمالي الأسهم (100,000 + 40,000 = 140,000 سهم). نضرب (140,000 × 9/12) = 105,000 سهم.
- إجمالي المتوسط المرجح = 25,000 + 105,000 = 130,000 سهم.
الطريقة الثانية: طريقة تتبع التغيرات:
- الرصيد الافتتاحي (100,000 سهم) استمر لمدة 12 شهراً بالكامل: (100,000 × 12/12) = 100,000 سهم.
- الزيادة الجديدة (40,000 سهم) دخلت الشركة في 1 أبريل وبقيت حتى نهاية العام، أي استمرت لمدة 9 أشهر فقط: (40,000 × 9/12) = 30,000 سهم.
- إجمالي المتوسط المرجح = 100,000 + 30,000 = 130,000 سهم.
بعد التوصل إلى المتوسط المرجح (وهو المقام)، ننتقل للبحث عن صافي الربح من العمليات المستمرة بعد استبعاد أرباح الأسهم الممتازة (وهو البسط). وبقسمة البسط على المقام، نحصل بدقة بالغة على نصيب السهم الأساسي في الأرباح.
الخلاصة: لماذا يهمك هذا المؤشر؟
إن عملية حساب نصيب السهم في الأرباح (EPS) ليست مجرد تمرين رياضي جاف يقوم به المحاسبون لإرضاء المدققين الماليين. بل هي أداة شفافة وقوية تعكس كفاءة الإدارة في استغلال أموال المساهمين لتوليد الأرباح.
عندما تنظر إلى القوائم المالية لشركة ما وتجد أن نصيب السهم في الأرباح ينمو عاماً بعد عام، فهذا دليل قوي على كفاءة الشركة الإدارية ونمو حصتها السوقية.
كما أن فهمك لكيفية حساب هذا المؤشر والوعي بالتعديلات المرتبطة بالأسهم الممتازة والعمليات غير المستمرة والأسهم المجانية يجعلك مستثمراً واعياً، قادراً على قراءة ما بين السطور في القوائم المالية وعدم الانخداع بالأرقام الإجمالية لصافي الأرباح التي قد لا تعبر بدقة عن العائد الحقيقي لمالك السهم العادي.
لذا، في المرة القادمة التي تتصفح فيها تقريراً مالياً لشركة مدرجة أو تسعى للاستثمار في شركة مساهمة، ابحث عن بند نصيب السهم الأساسي في الأرباح، وتذكر كل الجهود المحاسبية الدقيقة التي بُذلت لحساب هذا الرقم، ليكون لك بوصلة مالية موثوقة في بحر الاستثمار الواسع.
للاستفسارات أو طلب خدمة، يمكنكم التواصل اتصال أو واتساب على: 01142754276
رابط موضوع دليلك الشامل لفهم الضريبة على إيرادات المهن الحرة (شرح مبسط وتطبيقات عملية)

تعليقات
إرسال تعليق