الضريبة على أرباح الأشخاص الاعتبارية في مصر، بما يتوافق مع القانون 91 لسنة 2005 وتعديلاته.
تُعد الضريبة على أرباح الأشخاص الاعتبارية أحد أهم روافد النظام الضريبي المصري، وهي ضريبة سنوية تُفرض على صافي الأرباح الكلية التي تحققها الشركات والهيئات، سواء كانت مقيمة في مصر أو غير مقيمة، طالما أنها تمارس نشاطاً يدر دخلاً داخل الدولة.
في هذا المقال ، سنغوص في أعماق هذا الوعاء الضريبي، مستعرضين المفاهيم الأساسية، آليات الاحتساب، التكاليف واجبة الخصم، وكيفية التعامل مع الإهلاكات والديون المعدومة، وصولاً إلى أحدث تعديلات الفاتورة الإلكترونية والسعر المحايد.
أولاً: مفهوم الأشخاص الاعتبارية ومن يخضع للضريبة؟
قبل الخوض في الأرقام، يجب تحديد "من هو المكلف" بأداء هذه الضريبة. الأشخاص الاعتبارية هي كيانات لها شخصية قانونية مستقلة عن شخصية أصحابها أو المشاركين فيها.
1. الكيانات الخاضعة للضريبة
حدد القانون المصري الكيانات الخاضعة للضريبة بشكل دقيق، وهي تشمل :
- شركات الأموال: وتشمل الشركات المساهمة، شركات التوصية بالأسهم، الشركات ذات المسئولية المحدودة، وشركة الشخص الواحد.
- شركات الأشخاص: وهي شركات التضامن وشركات التوصية البسيطة.
- شركات الواقع: وهي الشركات التي تنشأ بين أشخاص طبيعيين دون استيفاء إجراءات الكتابة أو الشهر (باستثناء الميراث لمنشأة فردية).
- الجمعيات التعاونية واتحاداتها: مع مراعاة الإعفاءات القانونية.
- الهيئات العامة: فيما يتعلق بالأنشطة الخاضعة للضريبة التي تزاولها.
- البنوك والشركات الأجنبية: وفروعها في مصر، حتى لو كان مركزها الرئيسي في الخارج.
- الشركات المهنية: الشركات التي تمارس مهناً حرة تُعامل معاملة الأشخاص الاعتبارية، حيث تُحدد إيراداتها على الأساس النقدي ومصروفاتها على أساس الاستحقاق .
2. معايير الإقامة الضريبية - متى تعتبر الشركة مصرية؟
نطاق سريان الضريبة يشمل الأشخاص الاعتبارية المقيمة وغير المقيمة.
الشخص الاعتباري المقيم يخضع للضريبة على كافة أرباحه سواء تحققت في مصر أو الخارج، أما غير المقيم فيخضع عن أرباحه في مصر فقط.
متى يُعتبر الشخص الاعتباري مقيماً في مصر؟
يتحقق ذلك في إحدى الحالات الآتية :
- إذا تأسس وفقاً للقانون المصري (مثل قانون 159، قانون الاستثمار، أو قانون التجارة).
- إذا كان مركز إدارته الرئيسي أو الفعلي في مصر.
- إذا كانت شركة تملك فيها الدولة أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة أكثر من 50% من رأسمالها.
ما هو "مركز الإدارة الفعلي"؟
تُعتبر مصر مركزاً للإدارة الفعلي إذا تحقق شرطان على الأقل من الشروط التالية :
- مصر هي مقر اتخاذ قرارات الإدارة اليومية.
- مصر هي مقر انعقاد اجتماعات مجلس الإدارة.
- يقيم في مصر 50% على الأقل من أعضاء مجلس الإدارة أو المديرين.
- يقيم في مصر الشركاء أو المساهمون الذين يملكون أكثر من نصف رأس المال أو حقوق التصويت.
ثانياً: المنشأة الدائمة للأشخاص غير المقيمين
تخضع الشركات الأجنبية (غير المقيمة) للضريبة في مصر إذا مارست نشاطاً من خلال "منشأة دائمة".
تعريف المنشأة الدائمة:
هي كل مكان ثابت للأعمال يتم من خلاله تنفيذ كل أو بعض أعمال المشروع الخاص بشخص غير مقيم. وتشمل الأمثلة:
- محل الإدارة، الفروع، المكاتب، المصانع، والورش .
- المباني المستخدمة كمنافذ للبيع.
- المناجم، حقول البترول، والمحاجر.
- مواقع البناء والإنشاءات (إذا استمرت لفترة زمنية معينة).
ما لا يُعد منشأة دائمة:
لا يخضع الشخص الأجنبي للضريبة إذا اقتصر نشاطه في مصر على أعمال تمهيدية أو مساعدة، مثل :
- التخزين أو العرض للبضائع.
- شراء البضائع أو تجميع المعلومات.
- الاحتفاظ ببضائع لغرض إعادة تصنيعها بواسطة مشروع آخر.
ملاحظة هامة:
السيطرة لا تعني المنشأة الدائمة؛ فمجرد أن شركة أجنبية تسيطر على شركة مصرية، لا يجعل من الشركة المصرية منشأة دائمة للأجنبية تلقائياً.
ثالثاً: أسعار الضريبة وكيفية الاحتساب
1. سعر الضريبة الأساسي
السعر العام للضريبة على أرباح الأشخاص الاعتبارية في مصر هو 22.5% من صافي الأرباح السنوية. ويتم تقريب الوعاء إلى أقرب عشرة جنيهات أقل.
2. الاستثناءات (أسعار خاصة)
هناك قطاعات تخضع لأسعار ضريبة مختلفة نظراً لطبيعتها الخاصة:
- سعر 40%: يطبق على أرباح هيئة قناة السويس، الهيئة المصرية العامة للبترول، والبنك المركزي .
- سعر 40.55%: يطبق على أرباح شركات البحث عن البترول والغاز وإنتاجهما.
رابعاً: تحديد صافي الربح الضريبي (المعادلة الجوهرية)
الربح المحاسبي الذي يظهر في القوائم المالية ليس هو الرقم النهائي الذي تُحسب عليه الضريبة. يتم الوصول إلى "الربح الضريبي" عبر معادلة محددة :
الربح الضريبي=الربح المحاسبي+الإضافات−الخصومات
يضاف إليه: مصروفات أدرجت في القائمة ولكن القانون لا يعترف بها (غير واجبة الخصم)، أو إيرادات خاضعة للضريبة لم تدرج في القوائم.
يخصم منه: إيرادات مدرجة بالقائمة ولكنها معفاة من الضريبة، أو مصروفات واجبة الخصم لم تُدرج.
القاعدة الذهبية: في حال تعارض المعيار المحاسبي مع نص القانون الضريبي، تكون الأولوية لتطبيق أحكام القانون للوصول لوعاء الضريبة.
خامساً: التكاليف والمصروفات واجبة الخصم
لكي يتم خصم أي مصروف من الوعاء الضريبي، يجب أن تتوافر فيه شروط محددة (المادة 22) :
- أن يكون المصروف مرتبطاً بالنشاط ولازماً لمزاولته.
- أن يكون حقيقياً ومؤيداً بمستندات.
- شرط الفاتورة الإلكترونية: اعتباراً من يوليو 2023 للفواتير، ويناير 2025 للإيصالات، لا يُعتد إلا بالفواتير والإيصالات الإلكترونية (مع جواز استثناءات وزارية لبعض التكاليف التي لم يجر العرف على إثباتها بمستندات) .
- أن يخص السنة المالية وفقاً لمبدأ الاستحقاق.
سادساً: أهم البنود التي يجري عليها تعديل ضريبي (الإضافات والخصومات)
هذا الجزء هو "قلب" العمل الضريبي، حيث يتم فحص بنود المصروفات وتحديد ما يقبله القانون وما يرفضه.
1. العوائد المدينة (الفوائد)
لا تُعد العوائد المدينة (الفوائد على القروض) من التكاليف واجبة الخصم في الحالات التالية:
- القروض الحسنة (بدون فوائد).
- القروض التي لها عوائد غير خاضعة للضريبة.
- قاعدة (4:1): لا يجوز خصم العوائد على القروض التي تزيد قيمتها عن أربعة أمثال متوسط حقوق الملكية. بمعنى، إذا كان رأس مال الشركة وحقوق ملكيتها مليون جنيه، وقروضها 5 ملايين، فإن الفوائد على المليون الخامس (الزائد) لا تُخصم ضريبياً.
- العوائد المدفوعة لأشخاص طبيعيين غير خاضعين للضريبة أو معفيين منها.
2. الإهلاك الضريبي للأصول
يختلف الإهلاك الضريبي تماماً عن الإهلاك المحاسبي. قسم القانون الأصول إلى 4 مجموعات لحساب الإهلاك:
المجموعة الأولى (المباني والمنشآت والتجهيزات والسفن والطائرات): تُهلك بنسبة 5% سنوياً بطريقة القسط الثابت.
المجموعة الثانية (الأصول المعنوية): مثل شهرة المحل وبراءات الاختراع، تُهلك بنسبة 10% قسط ثابت.
المجموعة الثالثة (الحاسبات الآلية ونظم المعلومات): تُهلك بنسبة 50% سنوياً بنظام "أساس الإهلاك" (الرصيد المتناقص).
المجموعة الرابعة (باقي الأصول): مثل السيارات، الآلات، الأثاث، تُهلك بنسبة 25% سنوياً بنظام "أساس الإهلاك".
الإهلاك المعجل:
يحق للمنشآت الصناعية خصم نسبة 30% من تكلفة الآلات والمعدات الجديدة في أول فترة ضريبية لاستخدامها، ثم يتم حساب الإهلاك العادي (25%) على القيمة المتبقية.
كيفية حساب "أساس الإهلاك" (للمجموعتين 3 و4):
أساس الإهلاك=رصيد أول المدة+الإضافات−الاستبعادات/التصرفات
- إذا كان الناتج موجباً: تُضرب النسبة (25% أو 50%) في هذا الرصيد.
- إذا كان الناتج سالباً: يضاف الرصيد السالب لصافي الربح.
- إذا كان الرصيد أقل من 10,000 جنيه: يُهلك بالكامل في نفس السنة.
3. الديون المعدومة
يُسمح بخصم الديون المعدومة فقط إذا توافرت الشروط التالية:
- أن يكون لدى المنشأة حسابات منتظمة.
- أن يكون الدين مرتبطاً بالنشاط وسبق إدراجه ضمن الإيرادات.
- أن يمر على تاريخ استحقاق الدين 18 شهراً.
- أن تتخذ المنشأة إجراءات جادة لاستيفاء الدين (مثل رفع دعوى قضائية أو صدور حكم). مجرد المطالبة بالدين لا تكفي.
4. التبرعات
تنقسم التبرعات ضريبياً إلى ثلاثة أنواع:
- تبرعات للحكومة: (وزارات، محافظات، إدارات محلية، مستشفيات حكومية) تُخصم بالكامل من الوعاء الضريبي.
- تبرعات للجمعيات الأهلية المصرية ومؤسسات البحث العلمي: تُخصم بما لا يجاوز 10% من صافي الربح الضريبي. يتم إضافة التبرع مؤقتاً للربح، ثم يخصم في النهاية في حدود النسبة المقررة.
- تبرعات لجهات أخرى (مثل فقراء الحي أو جهات غير مشهرة): لا تُعتمد ضريبياً وتضاف للربح بالكامل.
5. المخصصات والاحتياطيات
المبدأ العام: المخصصات والاحتياطيات (مثل مخصص هبوط أسعار، مخصص قضايا) لا تُعد من التكاليف واجبة الخصم.
الاستثناء: تقبل 80% من مخصصات القروض التي تلتزم البنوك بتكوينها وفق قواعد البنك المركزي.
6. الجزاءات والغرامات
- الجزاءات التعاقدية (مثل غرامات التأخير في التوريد) تعتبر واجبة الخصم لأنها مرتبطة بالنشاط.
- الغرامات الناتجة عن مخالفة القوانين (مثل مخالفات المرور، غرامات البيئة) غير واجبة الخصم وتضاف للربح.
7. التأمينات الاجتماعية والخاصة
- حصة صاحب العمل في التأمينات الاجتماعية: واجبة الخصم.
- أقساط صناديق التأمين والزمالة الخاصة: واجبة الخصم بشرط أن تكون لائحة الصندوق معتمدة، وأن تكون أمواله مستثمرة بشكل مستقل، وبحد أقصى 20% من مجموع مرتبات وأجور العاملين سنوياً.
سابعاً: منع الازدواج الضريبي (خصم الضريبة الأجنبية)
إذا حققت شركة مصرية أرباحاً في الخارج ودفعت عنها ضريبة هناك، يسمح القانون بخصم هذه الضريبة من الضريبة المستحقة في مصر لتجنب الازدواج الضريبي . الشروط:
- تقديم مستندات مؤيدة لسداد الضريبة بالخارج.
- ألا يتجاوز الخصم قيمة الضريبة المستحقة في مصر عن هذه الأرباح.
- تُعامل أرباح كل دولة على حدة، ولا يجوز خصم خسارة فرع في دولة من أرباح فرع في دولة أخرى .
ثامناً: ترحيل الخسائر
إذا حققت الشركة خسائر في سنة ما، يحق لها ترحيل هذه الخسائر لخصمها من أرباح السنوات التالية لمدة 5 سنوات كحد أقصى. بعد مرور 5 سنوات، يسقط الحق في ترحيل الرصيد المتبقي من الخسارة.
حالة تغيير الشكل القانوني: إذا تغير الشكل القانوني للشركة أو اندمجت، يحق للشركة الجديدة ترحيل خسائر الشركة القديمة بشرط:
- أن لا يتم تغيير النشاط.
- أن يمتلك المساهمون القدامى أكثر من 50% من أسهم الشركة الجديدة. إذا لم تتوفر الشروط، لا يجوز ترحيل الخسائر.
تاسعاً: السعر المحايد (Transfer Pricing)
نظراً لأهمية المعاملات بين الشركات المرتبطة (مثل الشركة الأم والشركات التابعة)، وضع القانون قواعد لضمان أن تتم هذه المعاملات بأسعار السوق العادلة، أو ما يسمى "السعر المحايد".
الأشخاص المرتبطة: تشمل أي علاقة تؤثر في تحديد وعاء الضريبة، مثل الزوج والزوجة، أو شركة تملك حصة في شركة أخرى تؤثر في قراراتها (أكثر من 50% من الأسهم أو حقوق التصويت).
طرق تحديد السعر المحايد:
يجب استخدام إحدى الطرق المعتمدة لتسعير المعاملات:
- طريقة السعر الحر المقارن.
- طريقة التكلفة الإجمالية مضافاً إليها هامش ربح.
- طريقة سعر إعادة البيع.
- طرق أخرى تتفق مع طبيعة المعاملة.
التزامات التوثيق (الملفات الضريبية):
يلزم القانون الشركات التي لديها معاملات مع أطراف مرتبطة بتقديم:
الملف الرئيسي (Master File): يحتوي على معلومات عن مجموعة الشركات عالمياً.
الملف المحلي (Local File): يحتوي على تفاصيل المعاملات الخاصة بالشركة في مصر. عقوبة عدم الإفصاح تصل إلى 1% من قيمة المعاملات التي لم يُقر عنها.
عاشراً: الإعفاءات الضريبية
حدد القانون جهات وإيرادات معينة تتمتع بإعفاء من الضريبة، منها:
- الوزارات والمصالح الحكومية: إعفاء مطلق لأنها تؤول للخزانة العامة.
- الجمعيات والمؤسسات الأهلية: في حدود الغرض الذي تأسست من أجله.
- أرباح استصلاح الأراضي: تعفى لمدة 10 سنوات من تاريخ بدء النشاط.
- شركات الإنتاج الداجني وتربية النحل والمواشي: تعفى لمدة 10 سنوات.
- صناديق الاستثمار: تعفى أرباح صناديق الاستثمار في الأوراق المالية وصناديق الاستثمار القابضة، وكذلك العوائد التي يحصل عليها المستثمرون من هذه الصناديق.
- توزيعات الأرباح:
إذا حصلت شركة أم مقيمة على توزيعات من شركة تابعة (تملك فيها أكثر من 25% لمدة سنتين)، يتم إعفاء 90% من قيمة التوزيعات من الضريبة، ويخضع 10% فقط كمقابل تكاليف غير واجبة الخصم.
في الحالات الأخرى، تخضع التوزيعات لضريبة منفصلة بسعر مخفض.
الخاتمة
إن فهم الضريبة على أرباح الأشخاص الاعتبارية يتطلب الإلمام الدقيق بالفروق الجوهرية بين المعالجة المحاسبية والمعالجة الضريبية.
فالمشرع المصري هدف إلى حماية الوعاء الضريبي من خلال تقييد خصم بعض التكاليف (مثل الفوائد والمخصصات) وتنظيم تسعير المعاملات، وفي المقابل منح حوافز للاستثمار في قطاعات معينة وللملتزمين بالفواتير الإلكترونية.
الالتزام بتقديم الإقرار الضريبي بدقة مدعوماً بالمستندات الصحيحة هو السبيل الوحيد لتجنب الغرامات والمنازعات الضريبية.
للاستفسارات أو طلب خدمة، يمكنكم التواصل اتصال أو واتساب على: 01142754276
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق